الفعاليات الختامية للدورة الخامسة لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي يومي 18-19 فبراير للعام 2015م تتميز الدورة بحضور نوعي من كبار الأدباء والكتاب العرب

 

  جائزة الطيب الدولية .. بقلم:  أمير تاج السر

   أسبوع في (عالم جميل) بقلم: محمد محمد خير

  إضافة نوعية للحراك التثقافي في السودان .. بقلم:  نورالدين مدني

  ليلى أبوالعلا: عَن شاعِرِ الحُبِّ والأمل: حسن عوض أبوالعلا.. بقلم: جمال محمد إبراهيم

مع الروائي واسيني الأعرج: قراء السودان يُحققون لي رهان الكاتب.. الطيب صالح قيمة إنسانية تخطّت حدود السودان

 

 

الروائي إبراهيم إسحق يتبع خطى بني هلال
طل الروائي والقاص السوداني إبراهيم إسحق على العالم العربي ساردا السيرة الهلالية في مقاربة سودانية، ويكتب صاحب "حدث في القرية" تغريبة بني هلال بنفس مختلف  ... مزيد

 
 

 

 ليلى أبوالعلا: عَن شاعِرِ الحُبِّ والأمل: حسن عوض أبوالعلا..
 بقلم: جمال محمد إبراهيم

* إحتفاءاً بوصول الروائية السودانية ليلى فؤاد أبو العلا، ومشاركتها في فعاليات جائزة الطيب صالح - فبراير 2015 في دورتها الخامسة ، أستميح قراء ومتابعي عمودي الراتب "أقرب إلى القلب"، لأن أعيد نشر ترجمتي لحوار أجرته معها الصحفية البريطانية "عارفة أكبر"، ونشر في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية بتاريخ 17/12/2010، والحوار بعنوان: "في دروس من الماضي". تتناول ليلى في هذا الحوار، خلفية عن روايتها الأخيرة "حارة المغنى: ولى المساء" ،عن سيرة عمها الشاعر حسن عوض ابوالعلا، والتي سيجري في 23 فبراير الجاري، تدشين نسختها العربية بقاعة الصداقة، برعاية كريمة من شركة "زين". تجدر الإشارة أن الترجمة أنجزها البروفسور بدر الدين حامد الهاشمي، وقد صدرت عن مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي في 2014.
*****
قصة العم الذي أقعده الشلل بعد حادثة مروّعة ، وقصة حبه المجهضة، هي من القصص التي سمعت تفاصيلها ليلى ابوالعلا منذ الصغر ، وبدت وكأنها جكايات أسرية أكثر منها قصة روائية. كان حسن عوض أبوالعلا صبياً ملهما ينتمي لطبقة عالية في المجتمع السوداني، وكان في انتظاره وتحت قدميه عالم من الثراء والتميز، غير أن قفزة من على صخرة على شاطيء الاسكندرية، ارتطم بدنه بعدها بصخرة تحت الماء، أحدثت كسراً في عنقه. كان مشهد القفزة الرياضية المأساوية، تحت بصر خطيبته التي كان ينعم برفقتها على الدوام. تلك كانت اللحظة الأخيرة التي تراه فيها قبيل اصابته بالشلل المستديم . حين كانت في الخرطوم لمتابعة حالة والدها العليل في عام 2006 أتيح لليلى أبو العلا أن تستدعي سنوات صبا والدها في خمسينيات القرن الماضي في السودان، ثم بدا لها تماهي حالة مأساة الشاعر حسن أبو العلا، مع حالة السودان في الخمسينيات. وقف الوطن - كما يقف فتى متوثب- وهو يقطف استقلاله في عام 1956 من أيدي الحكام الكولونياليين، ممتلئا بآمال عراض ، سرعان ما انتهت إلى وثبة قاتلة، أفضت به الى حال من الشلل الوطني لم يكن في الحسبان.
*****
ما توفر لليلى من حكايات الأسرة ، تحوّل الى مادة ثرّة لروايتها الثالثة :"حارة المغنى" ، الذي صدر عن دار نشر "وايدنفيلد ونيكلسن" في بريطانيا، وتضمنت القصة شيئاً عن تعدد الزوجات، وختان الإناث، في زمن أقرّ فيه الحاكمون الإنجليز والمصريون، قانوناً يمنع هذه العادة المترسخة في ثقافة الناس ، ولكن حظيت بتجاهل الجميع، ثم هناك حكايات عن السودنة بعد رحيل المستعمر، وحكايات عن نشؤ الحركة العمالية.
كانت ليلى أمينة في سرد قصة عمّها حسن أبو العلا، عدا تعديلها تاريخ وقوع الحادثة، لتكون في الخمسينات بدلاً عن الأربعينات، فيما أدرجت بعض قصائده التي نظمها بعد الحادثة، والتي حققت له شهرة واسعة بعد أن تحوّلت إلى أغاني مصحوبة بألحان موسيقية. تقول ليلى :"حين أسمعتني عمة لي، بعض ما نظم حسن أبوالعلا ، من أغانٍ عن مصر والسودان، تكشفت لي أبعاد اضافية لهذه القصة. الذي حدث أن السودان قد شهد بعد الإستقلال، انقلاباً عسكرياً بعد انقلاب. يرصد الكتاب زمناً ممشحوناً بالتفاؤل قبيل الانهيار الكامل. تماثل قصة "نور" الشخصية الرئيسة في الرواية، حالة البلاد وتقهقر الآمال بعد الاستقلال".
*****
تبتعد هذه الرواية جغرافياً عن أجواء روايتيها السالفتين المكتوبتين على خلفية بيئة بريطانية. ظلت روايتها الأولى "المترجمة"(1999) على القائمة القصيرة لجائزة "أورينج" البريطانية لعام 2000 ،ولجائزة ايمباك" أيضاً، وتحكي القصة عن أرملة سودانية تعمل مترجمة في اسكتلنده، في سنوات التسعينات، يحاصرها الحزن على فقد زوجها كما فقدها الوطن. نرى في هذا التأسّي القصصي، ظلالاً لحالة ليلى ابو العلا الذهنية بعد مجيئها من الخرطوم بصحبة أسرتها إلى "آبردين" في سنوات الثمانينات، وقد وجدت نفسها في معاناة عميقة، إثر خروجها من الخرطوم عاصمة الوطن التي أحبتها.
أما روايتها الثانية "المئذنة"( 2005) والتي أدرجت في القائمة القصيرة لذات الجائزتين المذكورتين عاليه، فهي عن فتاة في نزوح ثقافي إلى لندن، وقد أمكنها أن تستعيد روابطها بعقيدتها الإسلامية، بعد أن دفعتها الحرب الأهلية في السودان إلى اللجوء إلى لندن في الثمانينات. عالجت الروايتان واقعاً رومانسياً ملتبساً، ولكن عملها الأخير ابتعد عن تجربة الإغتراب، واقترب من وطن ليلى، وتناول شخصيات يشبهونها : أنصاف سودانيين وأنصاف مصريين، في معالجات تراوح بين الإنتمائين.
*****
لعلها - وهذا ظنّ ليلى ابو العلا - أن لو لم تبرح بريطانيا وتنتقل مع زوجها المهندس إلى إندونيسيا، ومن بعد إلى الخليج ، لتواصلت كتابتها عن بريطانيا. تقول ليلى: ( أقمت في "ابردين" لسنوات عشر. غادرتها قبيل 11سبتمبر2001، وأحسست بأن أمراً جللاً وقع هناك في الغرب، ولكني لم أعد أقيم هناك. ظللت أهاتف أصدقائي، استفسرهم عما جرى وكيف يرونه. لعلي لو كنت هناك، لواصلت كتابتي عن تلك التجربة..)
قبل سنوات أربع( حوالى 2006)، إعتلّ والد ليلى، فوجدت نفسها في الخرطوم بعد غياب 17 عاماً، واتيح لها أن تنظر في تاريخ تلك المدينة، فأخذها التأمل حثيثا إلى كتابة الرواية. وفيما كانت تنهي روايتها، توفي والدها في عام 2008.
تقول ليلى: ( لقد غبتُ عن الخرطوم طويلا. حتى إجازاتي كنت أقضيها في الخارج. لقد استقرت والدتي المصرية في القاهرة، الشيء الذي شجع بقية الأسرة على البقاء هناك. كنت كمن تودع والدها الوداع الأخير. كان لديّ احساس بأن الحياة في السودان، توشك أن تتوقف. لو كتب لوالدي أن يكزن حياً، للحق بوالدتي في مصر. كنت أودع حياةً، رأيته متشبثاً بها. لذا فقد أسرتني حكايات صباه، وأسلوب حياته وقتذاك.)
*****
لقد تباينت تجربة ليلى الحياتية كغريبة في اسكتلندا، مع نشأتها كصبية في كنف أسرة كبيرة ، ومع والد سوداني ووالدة مصرية، راسخين. فقد كان البيت في الخرطوم ، لكنه كان بيتاً بثقافة مصرية . لعل ازدواجية المزاج هذه، هي التي منحتها بعداً "مفيداً" في كتابتها الروائية التي كثيراً ما أوحت اليها للعثور على أمكنة بين الفجوات.
تقول ليلى: (كنا في نشأتنا نتحدث لهجة مصرية. نأكل وجبات مصرية. كان لنا أصدقاء آخرون مصريون. لقد كان ذلك خيار والدي. أظنه رأى في زواجه من مصرية، فرصة تتيح له التحرر من التقاليد السائدة في زمنه. لقد غادر أم درمان في السودان للدراسة في كلية "فيكتوريا" -في الاسكندرية- ، وتلك كلية كانت، كما وصفتها الرواية، بمثابة نسخة أقريقية من "كلية إيتون"، ثم من بعد إلى كلية "ترينيتي " في دبلن. كثيرون من أصدقائه قد تزوجوا من انجليزيات وايرلنديات. كان زواجه من مصرية، موقفاً وسطاً. كان والداي يتحدثان على الدوام عن "هذا ما نفعله في السودان"، و "هذا ما نفعله في مصر"، فكانت هذه الاختلافات الثقافية، ماثلة أمامي على الدوام.)
تضيف ليلى: ( التبستْ عليّ نشأتي، وتركت لديّ احساساً بأني غريبة أراقب آخرين. لكنها تجربة مفيدة بالنسبة لكاتب..)
حين انتقلتْ إلى "ابردين" بصحبة زوجها وأطفالها، لتعمل كمحاضرة في علم الإحصاء في كلية محلية ، لم تكن الكتابة قد اقتحمت عالمها . كان اكتشافا متمهلاً ، لكن بعد أن استشعرت الحاحاً مفاجئاً لديها للكتابة ، التحقت بفصول مسائية في مكتبة محلية عن الكتابة الابداعية ، ذلك الذي أبان لها أن "موهبتها" تلك، قد تكون شيئاً أكبر.
تقول ليلى : (كان الحنين إلى وطني هو الذي دفعني إلى الكتابة. أحسست أن لديّ ما أقوله فالتحقت بفصل للكتابة الابداعية في مكتبة "ابردين" المركزية، وشجعني الكاتب المقيم هناك "تود ماكيوين" كثيراً).
وأضافت ضاحكة: (أخذ يعرض قصصي لمتخصصين في التحرير يعملون معه، وكان ظني أن ذلك ما يفعله عادة مع طلابه في الفصل. )
برغم من دعم زوجها لها حين هجرتْ تدريس الإحصاء واتجهت لتجرب حظها في الكتابة، فقد كان رد فعل الأسرة سلبياً، يشابه شعور تلك الأسرة الخيالية في رواية "حارة المغنى" ، تجاه محاولات "نور" في نظم الشعر، إذ لم يُنظر إليها بجدية. تقول ليلى: ( لقد اتجه "نور" لكتابة الشعر بعد أن لحقته الإعاقة، وبعد أن فقد الكثير، وأنا أيضاً قد جربت مثل هذا الفقدان. كنت في حالة صدمة حين جئت إلى "ابردين"، ولكن ساعدتني الكتابة.)
*****
غير أن ليلى لا تنظر لتلك التجربة بعين الندم. "ابردين" هي المكان الذي ولدتْ فيه ابنتها، وهي الآن في سن الثامنة عشرة ، كما هي التي شهدت بزوغ تجربتها في الكتابة. سيظل ارتباطها ببريطانيا ، رباطاً لا ينفصم عبر أبنائها الثلاثة، أكبرهم في أواخرالعشرين والثاني في أصغر منه بقليل ، وهما درسا الهندسة المعمارية في جامعة "دندي"، ويعتبران نفسيهما بريطانيين.
يلفت انتباهها ما تلاحظه من تحولات وتغييرات في المجتمع البريطاني. تبدو التحولات تجاه مسلمي بريطانيا أكثر حدّة وأشدّ إثارة لقلقها. تقول: ( ظني أن الكثير قد تغيير هنا. كانت لي صديقة تداوم على جمع أي قصاصات من الصحف، تحوي مواد عن الإسلام. لا أظنها الآن ستتمكن من مواصلة ذلك، إذ زاد كثيراً ما قد تجمعه، وجله إن لم يكن كله، سلبياً للغاية)
من المفارقات، أنها وبعد نزوحها من الخرطوم، وفي خلال سنة إقامتها الأولى في بريطانيا، كطالبة دكتوراة في كلية لندن للاقتصاد ، صارت أكثر تماهياً مع الإسلام، والتزمت بالوشاح غطاءاً للرأس. كان قرارها نابعاً من أحاسيسها الروحانية التي جعلت التزامها أكثر وضوحاً، إزاء بيئة علمانية طاغية .
تقول ليلى : ( كنت في الرابعة والعشرين حين ارتديته. كنت قد وضعت مولودي في التو، وزوجي غائب. كنت قد تعودت على حياة فيها دفء الحماية، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أجرب فيها الوحدة . رجال ينظرون إليّ ، يغازلون، وأحسست بحاجتي للإحتفاظ بمسافة لأحمي نفسي. لم يكن الأمر متعلقاً بالهوية. شعرت أن الحجاب أعطاني المسافة المطلوبة بعيداً عن الرجال، ثم أحببت ارتداءه بعد ذلك . نسمع الآن فتيات يزعمن أنهن يرتدينه لابراز الهوية الإسلامية، وظني أن ذلك لن يكون السبب الحقيقي لارتداء الحجاب. الأمر يتصل بالشعور الروحاني وبالاستقامة، وكيف ينظم القرآن العلاقة بين الرجل والمرأة.)
لقول ليلى: (كنت أحمل دوماً ذلك الإحساس الروحاني، وأني أكثر أماناً فيما لو عشت في بلدٍ إسلامي ، إذ لا أحسّ أن التيار قد يأخذني في اتجاه مختلف، ولكن حين تكون في بلد علماني، ستحسّ أن التيار يأخذ مساراً مختلفاً، فتضطر لأن تسلك طريقاً لوحدك. لن ينبهك أحد فيما إذا بدأ شهر رمضان. عليك أن تجد وسيلة إلى ذلك لوحدك.)
الجدل الذي لن ينتهي حول ارتداء الحجاب، وكونه دلالة على ميل الرجل العربي للاضطهاد، يظلّ متأرجحاً على الموازنات الثقافية لليلى أبو العلا. تقول ليلى إن الآراء تختلف حول ما تلبسه النساء، ولا تتحكم فيه الايديولوجيا أو السياسة بالضرورة. وتضيف: ( لطالما كانت ملابس النساء مما يشغل الناس.
في عالمها ترى أن أعلى درجات رفض الحجاب، تتبناها دوائر المثقفين العرب، الذين يرون في الحجاب ارتباطاً بالطبقات الأدنى وبالتدين التقليدي. تقول ليلى : ( أعرف قريبة لي ارتدته قبل زواجها، وكان الأمر مزعجاً. قالوا لها إنه سيصعب عليها أن تجد زوجاً..!)
*****
تميل ليلى على الأغلب إلى التعبير عن ايمانها بوضوح، وبتعبيرات ملتزمة، وفي لغة تفارق عبء الإسقاطات العصرية المتصلة بسياسات الهوية. يمتد هذا التوجه ليظهر في الشخصيات المسلمة في أعمالها، وصلتهم بالإسلام واعتمادهم عليه، ليوفر لهم، تلك الحمائية الداخلية التي تجنبهم المتاعب. في مقدمتها لرواية "المترجمة" لليلى أبوالعلا في طبعتها عام 2006 ، كتبت "آن دونوفان" في ملاحظتها عن "سمر" الشخصية الرئيسة في الرواية، أن عزلتها وغربتها في "ابردين" هي عزلة كونيـــة مثلما هي عزلة ثقافية: (لم تكن تفهم عادات وتقاليد الناس من حولها، وفوق ذلك فقد أذهلتها ثقافة لاتعترف بمكان لإله فيها.)
*****
تمتليء أعمال ليلى أبو العلا بمسلمين مشغولين بعباداتهم، ولكنك لا تجد انتحاريين مفخّخين أو مسلمين غاضبين، أو رجال دين مهووسين. كتبت صحيفة "الأهرام" القاهرية في وصف العنصر الإسلامي في روايات ليلى أبوالعلا: (كأن هناك ثمة منطق سردي حيث يصير الإيمان والعبادات طرائق لجعل الحياة أكثر حيوية)، ولليلى اعتقاد راسخ أن ذلك هو الأسلوب المناسب للحديث عن الإسلام.
تقول ليلى: ( وددت أن لو أكتب شيئاً عن الإيمان، ولكن الحديث على هذا النحو أمر صعب، فيما الناس يتحدثون عن الجوانب السياسية. إني على قناعة أن الإسلام لم يجر تسييسه فحسب ، بل صار هوية في ذاته، هذا مثل أن نحوّل الدين إلى مباراة في كرة القدم . ذلك تشويش في حقيقة الأشياء.)
الخرطوم 18 فبراير 2015

 

 
 
 
 
     
 

  كل الحقوق محفوظة جائزة الطيب صالح العالمية للابداع الكتابي زين للاتصالات السودان 2015م

 Eltayeb.Salih@sd.zain.com